محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
257
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وسرّ آخر : أنّ اللّه تعالى قدّم على قصّة آدم - عليه السلام - خلق السماوات وتسويتهنّ سبع سماوات ، وذلك إشارة إلى تمهيد الديانات ، وتسويتهنّ في سبعة أدوار ليتقدّر الأمر على الخلق ، وينطبق الخلق على الأمر ؛ وقد قال الصادق الأمين جعفر بن محمّد - عليهما السلام - : « إنّ اللّه تعالى أسّس دينه على مثال خلقه ليستدلّ بخلقه على دينه وبدينه على وحدانيته » 494 وكما أوحى في كلّ سماء أمرها كذلك أوحى في كلّ دور أمره ؛ وكما كان على كلّ سماء ملك مدبّرها ومع كلّ ملك كلمة فعّالة من الكلمات التامّات ، كذلك كان على كلّ دور نبيّ يدبّره ، ومع كلّ نبيّ كلمة أو كلمات تامّات زاكيات طاهرات ؛ وكما زيّن السماء الدنيا بمصابيح وحفظا وذلك تقديره في الخلق والإبداع كذلك زيّن الدور الأخير بمصابيح الرجال وحفظا من الزيغ والضلال ؛ وذلك تكليفه في الأمر والدين . وسرّ آخر : أنّ الملائكة في تسليم صاحب الدور الأول من أدوار الكشف لم يكونوا بذلك الكمال المطلق ؛ إذ تردّدوا بعض التردّد ، وأعجبوا أو تعجّبوا ؛ إذ كانوا في آخر أدوار الستر والجنّ ، وأوّل أدوار الكشف والإنس ؛ وكما أنّ صاحب الدور الأوّل كان على ضعف البداية حتّى غرّه اللعين الأوّل كذلك صحابته في الأوّل كانوا على ضعف البداية حتّى قالوا : أتجعل فيها ، وكذلك صاحب الدور الآخر يكون على قوّة النهاية حتّى لا يطوف اللعين حول جنابه ، ويكون صحابته على قوّة النهاية به ، حتّى يقولوا : رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا من غير أن نتلعثم فنقول : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ؛ فو اللّه لو لم يقل الملائكة ذلك ( 111 آ ) القول لم يظهر الإنكار من اللعين الأوّل كما ظهر ؛ وقد قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « إنّ اللّه تعالى خلق الكافر من ذنب المؤمن » على أنّه يجوز أن يقال : إنّ ذلك القول الذي صدر منهم كان من ظلّ اللعين الأوّل عليهم . فتارة يخلق الكافر المنافق من ذنب المؤمن ، وتارة يجري الذنب على لسان المؤمن من ظلّ الكافر المنافق : إذا قلت ما أذنبت قالت مجيبة * وجودك ذنب لا يقاس به ذنب 495 فإن قال قائل : ما الفرق بين قول الملائكة : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ، وذلك تنقيص لحال آدم وذكر العائبة في أفعاله وبين قول اللعين : أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ،